قراءة كتاب الجريمة والعقاب

قراءة كتاب الجريمة والعقاب


الجريمة والعقاب
الجريمة والعقاب


لطالما ترسخ في اذهاننا مشهد كلما قرئنا كلمتي "الجريمة والعقاب" أن أحدًا يُنفذ فيه حكم قاسٍ لارتكابه جريمة ما. لكن الأديب الروسي الكبير دوستويفسكي قام بإزالة ذلك المشهد من مخيلتنا.. الجريمة والعقاب، هو اسم أهم رواية كتبها دوستويفسكي، ويصنفها البعض من أحسن عشرة كتب في التاريخ.



ملخص كتاب الجريمة والعقاب:


قرب نهاية الأصيل، أي قبل المغيب بقليل، يتمشى شاب في ريعان شبابه، لا يدري إلى أين هو ذاهب بالتحديد ولا يهتم، فقط سار بخطى وئيدة لا يلوي على شيء، لكنه كان يخاطب نفسه حول أمر احتل له في عقله مكانًا في الآونة الأخيرة، هذا الأمر هو ارتكاب جريمة.



لكن الفتى، واسمه راسكولينكوف، وهو طالب سابق، لا يعدها جريمة، كان يعتبرها خدمة سوف يقدما للإنسانية. وتلك الخدمة هي قتل عجوز مرابية، ومعنى المرابية أنها تقرض الناس أموال بفائدة ومقابل رهن ما، ودائمًا ما كان الرهن شيء ثمين عزيز لدى المقترض، وإن لم يرجع المقترض ما اقترضه خلال فترة زمنية محددة، يكن الرهن من حقها حسب الاتفاق، وغالبًا ما كان يحدث ذلك نظرًا لتعثر حال المقترض.



راسكولينكوف، شاب ذكي، نبيل، ذو مروءة، يسعى لخدمة الناس من دون أن ينتبه لذلك، فبالرغم من فقره المدقع، ورثاثة ثيابه وحالته المزرية، إلّا أنه لا يتراجع قيد أنملة عن تقديم العون لأسرة فقيرة صغارها تبكي جوعًا بإخراج كل ما في جيبه من أموال وتركها لهم، وتقديم المساعدة لمراهقة ثكلى يتحرش بها رجل. فإذًا كيف لشاب أخلاقه بهذا النبل أن يقتل؟



عاش راسكولينكوف فترة تخبط فكري، لكنه كان يؤمن بأفكاره رغم ذلك، قتل العجوز المرابية "إليونا إيفانوفنا" هي خدمة للمجتمع، وليس عمل إجرامي. ورغم ذلك أيضًا كان يتعذب من مجرد الفكرة، فقد كان يرهقه كثيرًا التفكير في الأمر، حتى أنه أصيب بالحمى في فترة التخبط الفكري ذاك.



جدير بالذكر أن راسكولينكوف كان في حاجة إلى المال، كي يتدبر أمور حياته، ويعود إلى دراسته التي تركها بسبب الفقر. وكان في حاجة ماسة إلى المال أكثر، لتهيئة ظروف معيشية كريمة لوالدته وشقيقته دونيا، وإنقاذ الأخيرة من الزواج من شاب يكبرها في العمر وتختلف طباعه عن طباعها ولا تحبه أيضًا، لكنها كانت قد قررت التضحية بسعادتها بقبولها بالخطبة، وليس ذلك لشيء إلّا ليعود راسكولينكوف إلى دراسته وتستقيم حياته في بطرسبرج.



إذًا كان راسكولينكوف يفكر في قتل العجوز لأسباب متعددة، نذكر منها فكرة إراحة المجتمع من شرها، وسرقتها كي ينعم هو وأسرته بمالها.. فهو فيه من النبل ومن الخِسة.



على أنه حين قرر أن ينفذ الأمر، وبعد أن نفذه فعلًا بخطة فيها من الدهاء ومن حسن الحظ، تفاجأ بوجود شقيقة العجوز عند جثة أختها، فلم يتوانى وقتلها هي الأخرى. إليزافيتا، شقيقة العجوز، إليزافيتا الطيبة، التي كان راسكولينكوف يعدها ساذجة مقهورة، تقع تحت سيطرة شقيقتها واستبدادها. إذًا لم يكن ينتوي لها سوء أبدًا، فلماذا قتلها؟



راسكولينكوف كان حالة فريدة وعجيبة، حتى أنه تعلق بفتاة بائعة هوى، لكنه كان قد عرف لماذا الفتاة ارتضت أن تنزلق إلى الهاوية هكذا، عرف أنها أنما تفعل ذلك من أجل الإنفاق على أبيها السكير العاطل عن العمل، وزوجة أبيها المريضة وأشقاءها الصغار الجوعى العرايا، فكانت "صونيا" مثال الشرف والنبل في عينيه، لا فتاة صاحبة بطاقة صفراء.



وإليكم مشهد من الرواية يوضح كيف كانت صونيا في عيني راسكولينيكوف:




"كان راسكولينيكوف يذرع الغرفة طولًا وعرضاً دون أن يتكلم ودون أن يَنظُر إليها واقترب منها أخيراً كانت عيناها تسطعان، أمسك كتفيها بيديه وأنعم النظر إلى وجهها الغارق في الدموع، كانت نظرته ملتهبة جافّة حادّة، وكانت شفتاه تختلجان اختلاجاً حاداً جداً، وانحنى فجأة بحركة سريعة فسجد أمامها وقبّل قدميها، تراجعت صونيا مُرَوّعة كأنها ترى مجنوناً، والحق أن هيئته كانت هيئة مجنون!

تمنّعت تقول شاحبة الوجه منقبضة الصدر انقباضاً أليماً:

- ماذا تفعل؟ ما الذي تفعله؟ أأمامي أنا تسجد؟

نهضَ وقال لها بلهجة وحشيّة:

- أنا لا أسجُد أمامك أنتِ…. بل أمام مُعاناة البشرية كُلها."

مقتطف من رواية الجريمة والعقاب الجزء الثاني الصفحة 73



قصة الجريمة والعقاب:


عرفنا الجريمة، ما هو العقاب إذًا؟

استطاع راسكولينيكوف أن يضلل رجال الشرطة وأن يبعد عنه جميع الشبهات، لكنه نال عقابًا من نوع آخر، ألا وهو عذاب الضمير، تأنيب الذات الذي حول حياته لجحيم، ليقرر في النهاية أن يرتاح، ويعترف على نفسه.



الجريمة والعقاب: قصة في غاية الجمال، مغزى هادف نبيل، حبكة فاتنة رائعة، سرد ماتع، رواية اجتماعية فلسفية.. وأعتبرها القراء و النقاد على حد سواء على رأس أهم الأعمال الأدبية.



الجريمة والعقاب اقتباسات:




- إننا بقتل فرد واحد نستطيع أن ننقذ حياة ألوف غيره من العفن والفساد والتحلل، يموت واحد ليعيش مئات!


- الألم والمعاناة لا مفر منه دائمًا لذكاء كبير وقلب عميق. أعتقد أن الرجال العظماء حقًا يجب أن يكون لديهم حزن كبير على الأرض.


- من يسمعك يظن أن الإنسان لا يمكن أن يصنع بأخيه الإنسان إلا شراً في هذا العالم الأرضي، وأنه لا يجوز أن يفعل له أي خير، وذلك كله باسم عادات سخيفة وآراء باطلة.


- لا بد لكل إنسان من أن يجد ولو مكانًا يذهب إليه، لأن الإنسان تمر به لحظات لا مناص له فيها من الذهاب إلى مكان ما، أي مكان.


- فكلما كان مكر المرء أكبر، كانت الأمور الأبسط هي التي توقعه في الفخ.


- كل شيء مرهون بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان. كل شيء تحدده البيئة والإنسان في ذاته لا شأن له.


- لقد أمضيت حياتي كلها في الدفاع عن أشياء لن أحظي بها أبدًا، أجلس الآن وحيدًا، أمشط شعر الخيبة وأغني لها.


- لأنك محروم من العقل، عاونك الشيطان.


- لا بدّ للمرء آخر الأمر أن يقف وجهًا لوجه أمام متاعبه وينظر إليها بجرأة وجدّ، بدلًا من أن يبكي كطفل صغير .


- هل تدرك يا سيدي الكريم، هل تدرك ما معنى أن لا يكون للانسان مكان يذهب إليه؟


- الإفراط في امتلاك الوعي هو بحد ذاته مرض.


- بكوا في أول الأمر ثم ألفوا وتعودوا. إنّ الإنسان يعتاد كل شيء. يا له من حقير!


- كلما كانت الأماكن أشد عزلة وأكثر خلوًا شعر راسكولنيكوف بحضور عميق مقلق لا يرعبه فقط، وإنما يضايقه ويزعجه خاصة، فكان يسرع عندئذ عائدًا إلى المدينة فيختلط بالجمهور، ويذهب إلى سوق المواد المستعملة وسوق العلف فيشعر هنالك بشيء من الارتياح.


‏- لا بد أن يتألم من كان واسع الوجدان عميق الشعور.


- أتذكره تذكراً واضحاً مميزاً، لو رأيته بين ألف شخص لعرفته، قلبي يملك ذاكرة الوجوه.


- أنك تكثرت لكل شيء، وهذا سيجعلك اتعس الناس.


- يخيل إلي أن الرجال العظماء لابد أن يشعروا على هذه الأرض بحزن عظيم.


- قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، إياك أن تعتقد أنك تفهمني لمجرد أنني تحدثت إليك.


- ينبغي على الإنسان أن يكون شديد الدهاء مع الخبيثين.


- ما هو غبي هنا يصبح ذكي هناك، ما يبدو هنا في الظروف الحالية مخالفاً للطبيعة سيصبح هناك طبيعياً. كل شيء تحدده بيئة الانسان.


- فيعود لينطوي على نفسه، يعود إلى غرفته وكأنه يعشق ضعف إنارتها.. يتمنى لو يبذل ذاته من أجل الآخرين، أن يرتبط بصداقات، لكنه سرعان ما يعود ليتقوقع على ذاته، متسائلًا: ما الذي يجمعني بهؤلاء الناس الذين يهدرون الوقت، أصحاب التطلعات السخيفة التافهة.


- أيها السيد الكريم، ليس الفقر رذيلة، ولا الإدمان على السكر فضيلة، أنا أعرف ذلك أيضًا. ولكن البؤس رذيلة أيها السيد الكريم، البؤس رذيلة. يستطيع المرء في الفقر أن يظل محافظًا على نبل عواطفه الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك يومًا.


‏- هل تظنين أني ألقيت بنفسي في غمار هذا الأمر كالمجنون؟ إني أقدمت عليه بكامل عقلي، وفي هذا كان القضاء عليّ. (ذلك الأمر هو قتل العجوز).


‏- إنَّ من الأفضل للمرأة أن تأكل كسرة خبز يابسة، وأن تنهل قطرة ماء، على أن تورط نفسها مع رجل لا يهتم إلّا بجسدها.


- الجريمة هي إحدى طرق الأحتجاج على غياب العدالة المُجتمعية.


- محاكمة النفس أصعب وأبغض من المحاكمة الأرضية باسم القانون، فالقانون هنا ينطلق من الضمير.


تحميل كتاب الجريمة و العقاب: